أخبار العالم : كرة في زمن الكونيرا

أخبار العالم : كرة في زمن الكونيرا
أخبار العالم : كرة في زمن الكونيرا

الخميس 26 مارس 2020 06:30 صباحاً

نافذة على العالم - بعد مائة ساعة من العزلة أو نصفها أو أنقص منها قليلا، في الحجر الصحي، مللتُ وضجرتُ، والصحِّة النفسيَّة تعتلّ وتمرض. فكرتُ في دعوة ابنتي الكبرى إلى اللعب بكرة الطائرة في الشرفة، فابنتي الصغرى في حجر صحيٍ ونفسيٍ اختياري منذ سنتين. قرّرتْ أن تكون نباتية، وهي تتجنب الاحتكاك بنا، هي في عزلة عاجية، تأكل وحدها، وتحافظ على مسافة متر على الأقل بيننا وبينها من غير كورونا، وتتكلم معنا بالإنكليزية، ولديها آراء غريبة ما وجدناها في آبائنا الأولين. مرّة زرتها في غرفتها، وجلستُ على سريرها، فصاحتْ محتجّة، وخشيت أن تتصل بالبوليس، فقلت لها ما قاله أبو سفيان لحبيبة بنت أبي سفيان، أمُّ المؤمنين، وكان قد قصد المدينة لإنقاذ صلح الحديبية الذي نقضه: "يَا بُنَيَّةُ، مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ، أَمْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي، وَاَللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكَ يَا بُنَيَّةُ بَعْدِي شَرٌّ". قالت ابنتي بالإنكليزية: لم أفهم، وعادت إلى قراءة رواية "غاتسبي العظيم". والوسطى غائبة عن الوعي منذ ثلاث سنوات، تمشي وهي شبه نائمة، سماعتا جهاز الهاتف تطبقان على رأسها الجميل، وتسحقانه مثل حجري رحى، لا تأكل إلا ما نلقمه إياها، لا ترد السلام، وتنام وتصحو على عهدنا، ولا فرق عندنا بين صحوها ونومها. وكانت ابنة إيزابيل الليندي قد وقعت في غيبوبة بعد حادث، فذهبت أمها إيزابيل إلى عرّافة، فقالت العرَّافة: قد تعود إلى الحياة بعد سبعة أيام، أو سبعة أشهر، أو سبع سنوات، أو سبع وسبعين سنة. ابني يحضّر لامتحان معادلة الشهادات، وقد أجلّوا امتحانه بسبب تسونامي كورونا، فاهتبل الفرصة لمزيد من الدرس والتحضير، فمثله مثل عبد المنعم مدبولي، الذي كان يقول في واحدة من أشهر ايفيهاته: أنا عاوز إبرة وفتلة ومش عاوز حدّ يصحيني. هناك رتق في المصير وسيرتقه بالإبرة والفتلة. 

ابنتي الكبرى فيها خير، عصبيَّة، غاضبة دوماً، كبّدتني غراماتٍ كثيرة، بقيادتها المتهورة للسيارة، والحجر الصحي سيكون رحمة لنا وزكاة.
وافقتْ أن تلعب معي، فقد ملّتْ وضجرتْ أيضا، سيكون اللعب مشروطاً بمساحة الشرفة الضيقة، ومحكوماً بالسقف الواطئ، وقصر الشرفة، وضيقها، فالشرفة طولها خمسة أمتار وعرضها متر. لعبنا، وما هي إلا رميتان حتى طاشت الكرة إلى الأرض، الكرة لم تطق الصبر فهربتْ. الخروج إلى الشارع لإعادتها غرامته خمسة وعشرون ألف يورو، وهو مبلغ خرافي، لم أره في حياتي. أكبر مبلغ رأيته ألفا يورو، وفي التلفزيون، أو في يد صديقي، ودوريات الشرطة تجوب الشوارع بحثاً عن صيدٍ تظفر به بذريعة تطبيق القانون، لتعويض غرامات يوم كامل في البلدة، من غرامة واحدة.
أقفرت الشوارع فهي كالبيداء، كأنها بيدٌ دونَهَا بِيد. قالت زوجتي: انزل وأحضرها، وكادت أن تقول: يا جبان، وكأنها تريد التخلص مني، ودوريات الشرطة جائلة، فنحن نقيم قريباً من ساحة واسعة يُحضر إليها الألمان كلابهم للنزهة. ضيق المكان يسبِّب الغضب والشدة، هناك لوحة شهيرة للبوة تزأر في وجه الأسد في القفص، والأسد يقعي مذعوراً، والسبب هو الزنزانة. سقطت الكرة وتدحرجتْ على العشب، واستقرّتْ بجانب أرنب وثب منها، ثم جلس يقرض العشب ملء فمه عن شواردها. مرِّ صديقي الروماني أوفيد، هو الوحيد الذي برز في الشارع المقفر من الناس، فلوَّحت له، وناديته، فلوَّح لي مبتسماً، هو يخرج كل مساء من أجل كلبه الذي يشبه كلب تان تان، صحتُ: ممنوع، هناك غرامة، يا صديقي، فضحك وأدار ظهره، ثم ضرب بيده على مؤخرته، وتابع سيره مع كلبه وملاكه الحارس، نبح كلبه مع أنَّه لا ينبح ولا يموء. قال أوفيد: البيت حَجْر، والسجن حَجْز، لا يهمني.
رفعتُ بصري، كانت الشمس الصفراء قد توهَّجت وهي تنازع للنجاة من براثن المغيب الذي ابتلعها برفق. ستعود، بعد أن تُرضع نصف العالم الآخر ضوءها، صفراء ذهبية من جديد، في اليوم التالي.


المصدر : العربى الجديد

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى أخبار العالم : 25 إصابة جديدة بفيروس كورونا في تركيا