حوادث : «العائدون من الموت».. «المصري اليوم» تقضي 12 ساعة داخل «مركز السموم»


الأحد 1 مارس 2020 03:30 صباحاً

نافذة على العالم - اشترك لتصلك أهم الأخبار

«طوارئ المركز القومى للسموم»، في هذا المكان تتكاتف الجهود لـ«مواجهة الموت»، لو جاز التعبير، يحارب الأطباء لإعادة من يحاولون الانتحار أو المصابين بالتسمم للحياة من جديد، طرقات المبنى تتقاطع فيها الأمنيات والدعوات بأن يمن الله على كل من بداخل غرف العمليات بالشفاء ليبدأ من جديد مواصلة الحياة.

12 ساعة عاشتها «المصرى اليوم» داخل أروقة وطرقات المركز، يكفى أن تنتظر وصول حالة أو اثنتين من المقبلين على الانتحار لتسمع أنين وآهات أفراد أسرهم لتعرف أن وراء كل واقعة انتحار قصة حزينة وربما «قلة عقل» وضعف إيمان بالله دفعتهم للشروع في الانتحار بالسم.

يومًا بعد الآخر تتزايد أعداد محاولات الانتحار لأسباب مختلفة، البعض يختار أن يلقى بنفسه أمام عجلات قطار المترو، والبعض يلجأ إلى القفز من أعلى مسكنه، وآخرون يعلقون أنفسهم في مشنقة من صنعهم داخل غرفهم المغلقة. كل هؤلاء تذهب جثثهم إلى المشرحة إذا لفظوا أنفاسهم الأخيرة أو يُنقلون إلى المستشفيات إذا تم إنقاذهم.

لكن فئة أخرى من المنتحرين يأتون إلى هنا، حيث مركز السموم.. هؤلاء الذين يشرعون في الانتحار بتناول مادة سامة تُحولهم المستشفيات إلى هنا لإنقاذهم. بعضهم ينكرون فكرة شروعهم في الانتحار للهروب من المساءلة الجنائية، ويدّعون أنهم تناولوا تلك المادة بالخطأ، لكن آخرين يمرون بحالة نفسية سيئة تجعلهم يتنفسون عندما يحكون الضغوط التي أجبرتهم على اللجوء إلى الانتحار.

مع ظهور كل صباح يقف سعيد، عامل الاستقبال في المركز، في مدخل الطوارئ، حالته بالتأكيد لا تشبه اسمه عندما يرى سيارة الإسعاف قادمه لتقف عند المدخل، العمال يسرعون في إدخال مريض جديد إلى الداخل، يستدعى سعيد أحد أفراد أسرة المريض لاستكمال البيانات المطلوبة، والأهم سبب التسمم، هل هو محاولة انتحار أم بالخطأ؟ وفى كلتا الحالتين لابد أن تُبلغ إدارة المستشفى الشرطة لتحرير محضر بالواقعة، وطبقا لعدد من العاملين في المستشفى فإن عددا كبيرا من أسر المرضى الذين يشرعون في الانتحار يدّعون أن ذويهم تناولوا المادة السامة بالخطأ حتى لا يتعرضوا للمساءلة الجنائية.

«فى الفترة الأخيرة مش ملاحقين على حالات المرضى الذين يحاولون الانتحار، كل يوم أكثر من 30 حالة، وفى أحد الأيام من أسبوعين وصلنا 90 حالة في يوم واحد»، هذا ما قالته ممرضة- طلبت عدم ذكر اسمها- عندما سألتها عن ارتفاع معدلات محاولات الانتحار، وعن مواد الانتحار قالت: «اللى بياخد مبيد حشرى أو سم فئران أو بياخد الأقراص السامة لحفظ الغلال أو أدوية المهدئات النفسية».

داخل مركز السموم تسمع كلمات مختلطة بدموع أسر المنتحرين، ما بين قصص حب وفراق الأحبة وضغط نفسى واقتصادى تدور أحداث مسلسل وقائع الانتحار هنا. في 12 ساعة قضتها «المصرى اليوم» داخل المركز، كانت الجُمل التي تخرج من أفواه الأمهات كالسكين تقطع قلب كل من يسمع تلك الآهات.

«ليه يا بنتى تعملى في نفسك كده.. ليه تقطعى قلب أمك عليكى».. كانت واحدة من تلك الجمل التي صاحبت سيدة في الأربعين من عمرها، كانت تجرى إلى جوار «ترولى طبى» ترقد أعلاه ابنتها فاقدة الوعى، فتاة لا تتعدى عامها الـ20، ملامحها غاية في الجمال، شعرها يمتد إلى جوار يديها النحيفتين، وإلى جوارها والدتها، دموعها تسابق دعواتها «يا رب.. يا رب».


أدخل الأطباء الفتاة إلى غرفة العمليات لإجراء الإسعافات الأولية لها لإنقاذها، أما الأم وابنها الأكبر فكانا ينتظران أمام غرفة العلميات، ساعتان من الانتظار المميت حتى خرج أحد الأطباء وطمأن الأسرة: «ربنا كتب لها عمر جديد»، تبعتها سجدة للأم على الأرض مرددة «الحمد الله»، وقبل أن يتحرك الطبيب من أمام غرفة العلميات أبلغهم: «أرجو ألا يتحدث معها أحد في شىء إلى أن تتحسن حالتها»، كان هذا التحذير أولى خطوات العلاج النفسى للابنة التي لجأت إلى الانتحار بسبب ضغط الأسرة عليها للزواج من شخص لا ترغب في الزواج منه، بحسب ما قاله الطبيب.

خالد عبد الغفار - صورة أرشيفية

في محضر دوّنه عامل الاستقبال أفاد بأن الفتاة تدعى «ليلى»، 22 عاما، أحضرتها سيارة الإسعاف إلى المركز في حالة إعياء شديد وفاقدة الوعى، وبسؤال والدتها قالت إنها فوجئت بابنتها فاقدة الوعى داخل غرفتها وإلى جوارها مبيد حشرى، وأكد الطبيب المعالج أن المريضة تناولت المبيد الحشرى لإنهاء حياتها.

نجح الأطباء في إسعاف «ليلى» بسبب سرعة نقلها قبل أن تتمكن المادة السامة من جسدها النحيف، لكن محاولاتهم باءت بالفشل مع عم «سليمان»، ذلك الرجل الذي يبلغ من العمر قرابة الخمسين عاما، أحضرته سيارة الإسعاف في منتصف اليوم، عدد من جيرانه كانوا يلتفون حوله، أحدهم قال إنهم عثروا عليه ملقى أمام باب شقته التي يقطن فيها بمفرده، بعد أن توفيت زوجته منذ عام تقريبا، لم يرزقهما الله بأولاد.

ويضيف الجار أن عم «سليمان» أصيب بحالة نفسية سيئة بعد وفاة زوجته، كانوا يحاولون أن يهونوا عليه لكنه دائما ما كان يحب العزلة، حتى وجدوه ملقى أمام باب شقته فاقدا الوعى، اتصلوا بسيارة الإسعاف ونقلوه إلى مركز السموم بعد أن تبين أنه تناول مادة سامة، كان عم «سليمان» مازال على قيد الحياة حينما نُقل إلى المركز، لكنه فارق الحياة بعد لحظات، وقال الأطباء إنه تناول مادة سامة «سم فئران» ومر أكثر من 8 ساعات عليها، ما أدى إلى انتشارها في جسده وتوقف عضلة القلب ووفاته.

وبعيدا عن حالات التسمم الغذائى التي يستقبل المركز مئات الحالات منها يوميا، فقد جلست سيدة وإلى جوارها 3 أطفال أكبرهم لا يتجاوز العاشرة من عمره، تبكى وهى ترفع رأسها إلى السماء مرددة دعواتها بأن ينقذ الله زوجها، بكلمات متقطعة قالت: «معرفش ليه عمل كده.. ليه ينتحر ويسبنى أنا وأولاده؟». كانت السيدة تتحدث عن زوجها «إسلام» الذي حاول التخلص من حياته بتناول مادة سامة ويحاول الأطباء إنقاذ حياته بعد صوله إلى المركز، تقول السيدة مهاجمة زوجها: «بيدور على شغل بقاله فترة ومش لاقى، هل الحل في الانتحار؟ تسيب أولادك لمين؟».

وطبقًا للمحضر الذي حرره المركز فقد أقدم الزوج على الانتحار لمروره بحالة نفسية سيئة بسبب بحثه عن فرصة عمل دون جدوى، وكثرة الدائنين عليه ومطالبتهم برد المبالغ التي حصل عليها منهم. فقد تناول الزوج مادة سامة لإنهاء حياته.

في السنوات الأخيرة ارتفعت معدلات الانتحار في مصر والعالم، أرجعها بعض الخبراء في علوم الطب النفسى إلى تنوع ضغوطات الحياة والحالة الاقتصادية. فطبقًا لآخر إحصاءات منظمة الصحة العالمية فهناك محاولة انتحار كل 20 ثانية.

وفى مصر، أجرى مركز السموم بجامعة عين شمس إحصائيات تشير إلى ارتفاع معدلات حالات الانتحار الواردة للمركز بعيدا عن حالات الانتحار الأخرى التي لا تصل إلى المركز، مثل السقوط من أعلى أو إطلاق النار على النفس أو قطع الشريان وغيرها.

وتشير الدراسة إلى أن المركز أجرى إحصائية ودراسة على 25 ألف حالة تسمم تم علاجها به، تبين أن من بينها 11 ألفاً و580 محاولة انتحار، أي بنسبة 46 في المائة من حالات التسمم· كما تبين أن نسبة المنتحرات الإناث أعلى من الذكور، وبلغت نسبتهن 68 في المائة مقابل 32 في المائة للذكور·

وأظهرت الدراسة أن المرحلة العمرية من 18 إلى 25 عامًا تشكل 50 في المائة من حالات الانتحار، تليها المرحلة من 25 إلى 35 عاما، ثم من 35 إلى 50 عاما، ولكن اللافت دخول المرحلة العمرية من 13 إلى 25 عاما ضمن حالات الانتحار رغم أنها مازالت أقل المراحل في معدل الانتحار· وتؤكد الإحصاءات أن الشباب أكثر إقداما على الانتحار بسبب الفشل الدراسى أو العاطفى أو الظروف العائلية والاقتصادية.


المصدر : المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى حوادث : رئيس مدينة سرس الليان تحرر 10 محاضر «عدم ارتداء كمامة» و«عدم غلق»